الملا فتح الله الكاشاني
594
زبدة التفاسير
ولمّا وصف عبادة العباد ، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم ، أثنى عليهم من أجلها ، ووعدهم الترفّع من درجاتهم في الجنّة والخلود فيها ، فقال : * ( أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ ) * أعلى مواضع الجنّة . وهي اسم جنس أريد به الجمع ، كقوله تعالى : * ( وهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) * « 1 » . وقيل : هي من أسماء الجنّة . * ( بِما صَبَرُوا ) * بصبرهم على المشاقّ من مضض « 2 » الطاعات ، ورفض الشهوات ، وتحمّل المجاهدات ، من أذى الكفّار ، ومقاساة الفقر ، وسائر مشاقّ الدين . وإطلاقه لأجل الشياع في كلّ مصبور عليه . * ( وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلاماً ) * دعاء بالتعمير وبالسلامة ، أي : يحيّيهم الملائكة ويسلَّمون عليهم . أو يحيّي بعضهم بعضا ويسلَّم . أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة عن كلّ آفة . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر : ويلقون ، من : لقي . * ( خالِدِينَ فِيها ) * لا يموتون فيها ولا يخرجون * ( حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقاماً ) * موضع استقرار وموضع إقامة . وهذا مقابل « ساءَتْ مُسْتَقَرًّا » معنى ، ومثله إعرابا . * ( قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي ) * ما يصنع بكم . من : عبأت الجيش إذا هيّأته . أو لا يعتدّ بكم . * ( لَوْ لا دُعاؤُكُمْ ) * لولا عبادتكم ، فإنّ شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة ، وإلَّا فهو وسائر الحيوانات سواء . وقيل : معناه : ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة . و « ما » إن جعلت استفهاميّة فمحلَّها النصب على المصدر . كأنّه قيل : أيّ عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم ؟ يعني : أنّكم لا تستأهلون شيئا من العبء بكم لولا عبادتكم . وفيه دلالة على أنّ من لا يعبد اللَّه ولا يطيعه فلا وزن له عند اللَّه . وقيل : معناه : لولا دعاؤكم له إذا مسّكم ضرّ أو أصابكم سوء ، رغبة إليه وخضوعا له .
--> ( 1 ) سبأ : 37 . ( 2 ) المضض : الألم والوجع .